أدب

مفتاح الأرض

بقلم/محمدحمدان البهلولي.

عام
1897

مقالات ذات صلة

طويل القامة، عينون رمادية اللون ،
ذو لحية كثيفة بنوع ظاهري سوداء ،
مع شارب مثفق عريض نسبيا،
يميل إلى الأسود..
قدمان قويان ،
يتحالى بالصمت في غالب أوقاته،
ومع لون الفجر بلون الزيتون ورائحة ذيوتة العتيقة،
وألحان عصافير تبوء بالأمل أحينانا  ،
الا من القليل عن مأسات وحكايات أليمة لاتذكر،
تطوف السماء بلونها الباهت الذي لم يظهره قمرا كان،
أو شمسا،
ممسكا بنعومة ما رقيقة الملمس،
تجري في عروقها نبض الورود ،
وبعضا من تلك الألحان العذوبية ،
التي تخرج من فاه طفل
، لم يتجاوز التسعة سنوات عمرا ،
ومع ومضات الحياة تلك ، تنطرح تحت أقدامهما ،
جسرا رفيعا ترابيا، مهّـده ، الزمن وكساه الندى، وعلى
تلك الحواف تتسابق  تلك الأخدود ، شجيرات عتيقة
تحمل بعضا من زيتونا وأخرى من طيب التين ، تتصادم
جزوع أخرى بهبات من النسيم العطرة التي تحمل في
فؤادها بعضا من روائح الورود ،
وبهم عبق الماضي ، وعنفوان الحاضر ،
وقليلا من ملامح المستقبل ،
“آذان الفجر”
يشير بانامله إلى كل الحي،
تعددت الأصوات الجهورية في الانحاء والربوع
ودوت حول المدينة تلك الكلمات الروحية،
“مدينة يافا” القابع حكمها تحت حكم ” العثمانيون”
اطالة الصلاة ليس كالعادة في تلك الزاوية ،
الا انه ينذر عن شيء ما، تتلاطف به ألسنة القدر ،
وتلاوة سورة ” والتين” من الإمام كأنه تحالف مع تلك الأخدود
ليذكّر بأمر ما ، أو علاقة أبدية بينهما.

تراصت على مسامع الطفل ووالده وبعَد الصلاة ،
ببيع بعضا من الأراضي الزراعية ،
المكسية برائحة الزيتون مقابل بعضا من المال الذي ليس
بالقليل،
وتبلبلت الأقاويل تلك على مسامع اغلب فلاحي المدينة،
ثلاث نقرات بأيدي نحاسية ، متتالية على باب دفن عتبته، وتحدى الزمن قوته ومتانته ، جعل أمامه تربيعة من طين
تعلوه ثلاثة من قلل فخارية  تحمل ببطنها ماءا، ويعلو كل قلة غطاء من جريد النخل المثقل بحبال زعف النخيل،

غُلق الباب، وقبل جلوس الطفل وأباه،
جال على مسامعها صوت ، نقرات تنبئ عن وجود
شخص ما يريد صاحب الدار..

تسائلت الألسنة متعجبة من تلك الوقت، الباغت،
ومن ذا الذي يجئ في تلك الساعة!؟

شخصان تبدوا على ملامحها الوسامة والانشكاح..
يحملون في العيون لا شيء!
شعر ذهبي ، لحية طويلة مدببة تأخذ هيئة السبعة،
صمتهم مخيف لنوع ما من انواع الاستفهام،
اللؤم يظهر تتدريجيا في تلك اللمعات، لمعات العيون،
التي بدورها تتحرك كثيرا يمينا، يسارا كأنهما على عجلة من أمرهما، أو ريبا يدخل في أنفسهما،

اتفضلوا :
انقطع الصمت ، بتلك الكلمة،
تقدم أحدهما إلى الداخل دون استئذان، مارا بكتف الأب
مستديرا نحو الباب، موجها وجهه للاب، دون أن يفلت يداه بعد السلام،
والآخر يحدق في كلاهما دون الكلام، واكتفى بالصمت،

“احنا اعرفنا احنا ومشيين من دقايق قليلة انك تذهب للفجر انت وطفلك”
مع ابتسامة ظريفة ظهرت انها مصنعة،
“وحابين نعرض عليك ”
“طيب اعرف انتو مين الاول على الأقل؟! ”
لم يجيبه كلاهما واكمل الذي سبق بالدخول
“هنشتري الأرض اللي في آخر الطريق ناحية الشمال”
رفع حاجبه ببطء ملحوظ،
أرض؟!
واخر الطريق!؟
” مقلتوش انتو مين” ؟!
رافعا كتفه لأعلى باستغراب ما يحدث ،
“احنا هنشتري وزي ما متحدد سعر البيع”
ايوه بس انا….
وقبل أن يجيب

“احنا عارفين هتشاور زوجتك وأولادك واخيك أيضا ”
بعد يومين هنيجي ونجيب معانا الأوراق والمال،
والان سنتركك لمسؤلياتك
قاطعهما
صوت الطفل يحمل آنية نحاسية تحمل قليلا من طاجن به بعضا من حبات الزيتون، وقليلا من التمر، وكوبا نحاسيا أيضا به ماء
“مع عقد البيع خليها مع عقد البيع”
نطقها ورفع إحدى قدماه للخارج ، بحركة سريعة وملحوظة،
دون أن ينتظر للرد أو الاستئذان.
..
ومع ملامح تلك الضيفان ولكن في مكان غير ذلك المكان
وقبل  سنة
من نفس العام،
كان أول حشد مؤتمر للصهاينة.. فكان في” بازل ”
ومن ثم
أعلنت الوجهة الحقيقية وبعد فشل المحاولات التي تناشد الجميع
بأن تكون الى روسيا،
أو مديقشعر   أو حتى الأرجنتين، وعقبتهم بالرفض أوغندا
مع فارق الإقناع والقبول فكانت في السابق وجهة سياسية،
وكانت في الاخيرة وجهة دينية،
هي الارجاع إلى فلسطين التي كانت تحت حكم العثمانيون،
بقلم/محمد حمدان البهلولي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى